التاريخ والنشأة والتمدد

ارتبطت تسمية “مول الحانوت ” في المغرب، بفئة المنحدرين من قرى سوس الاقصى وخصوصا ابودرارن ، وهم من الامازيغ اصحاب الدكاكين العاملين في  تجارة التغذية العامة…و يمارسون بلغة اليوم تجارة القرب. ويرمز الى حرفتهم في المخيال الشعبي برمز الميزان ،و يحكى ان المهاجرين الأوائل الى الدار البيضاء وجدوا ببابها  مجموعة  من الرموز الدالة على الحرف المعروفة و المحتفى بها آنذاك ، فأسرع كل واحد منهم حاملا رمزا من تلك الرموز، فانتهى الميزان بايدي ابودرارن، وهو رمز التجارة ، و استفرد بقية الوافدين بباقي الرموز الاخرى ،  كالملاسة رمز البناء ، والفرن التقليدي رمز الخباز وكتاب الله رمز الفقه… الخ وتطورت تجارة اهل سوس من التغذية العامة الى مواد اخرى كالأثواب و الحلي و مختلف المواد المستوردة آنذاك ،و رغم اختلاف الحرف التي مارسوها  ظلوا يحتكرون ابا عن جد دون غيرهم تجارة القرب عملا بمقولة “حرفة بوك لا يغلبوك” .  ويسمون كذلك ب “مول البيسري ” ايام الاستعمار فكانوا من أوائل من هاجر الى فرنسا الاستعمارية والى المستعمرات الفرنسية و الى ما وراء البحار، ممارسا تلك الحرفة، حيث سمحت لهم ظروف الهجرة بالارتقاء اقتصاديا و بتحسين موقعهم الاجتماعي. و قد تحدت عنهم السجين/ الاديب الفرنسي “هنري شاريير” في روايته الشهيرة “الفراشة ” مشيرا الى “بابيون”، حيثPapillon  انه وجد بعضا من التجار السوسيون في مناطق ازدهار التجارة بمناجم يستخرج الذهب بفينيزويلا  بأمريكا الجنوبية سنة 1945.   

و قد لعب “مول الحانوت ”   دورا أساسيا و محوريا في الجهاد ضد المستعمر في عموم المغرب  مند نهاية القرن 18 بداية القرن19 , حيث كان في طليعة كل التحركات المجتمعية والسياسية التي عرفها المغرب الخاضع للاستعمار الاسباني في الشمال و للحماية الفرنسية والدولية بطنجة ، فكانت  شبكة  “مول الحانوت ” ، الممتدة في عموم كبرى المدن المغربية ، في قلب تنظيمات  وخلايا المقاومة السرية المحاربة للاستعمار بداية الخمسينات ، ودالك من خلال  الانخراط العفوي  فيها ، سواء عبر مدها بالدعم المالي الذي كانت تفرضه خلايا المقاومة المسلحة التجار في المدن الكبرى كالدار البيضاء ،او بتوفير العتاد والسلاح وايواء واخفاء كل هارب مضطهد و كل عابر سبيل عن اعين الخونة . وكانت تحركات السوسيين يترصدها الاستعمار ويحسب لها ألف حساب بواسطة المقيمين العامين الذين كانوا يتتبعون خطوات التجار وتنقلاتهم من والى مسقط راسهم سوس. 

الاستقلال والتنكر ثم الانحسار    

مع فجر الاستقلال انتهى الوضع ب “مول الحانوت ” حبيس متجره يقضي فيه سنة كاملة ، بالتناوب مع اخيه او ابن عمه، وما ان ينتهي العام حتى يمضي مسرع الممشى الى بلدته ” تامازيرت ” ليقضي  هناك ما تيسر من الوقت حريصا على قضاء حوائج العائلة منافحا مدافعا على كل شبر من ارض اباءه واجداده، وسرعان ما يعود بعد بضعة أيام ، في موسم الهجرة الى الشمال، الى حبسه الاختياري مجددا لطاقته ليقضي سنة كاملة أخرى في متجره.

وهكذا امضي جيل كامل او جيلين من ابودرارن معظم حياتهم في حجر تطوعي، حجر طوروا فيه تجارة قائمة على المبدأ الاقتصادي المسمى بالتنويع Diversification، حيث أصبح حانوت السوسي يحتوي جميع حاجيات الدرب او الحي، ويبيع كل المستلزمات والضروريات، من الابر والخيط مرورا بالمواد الاساسية والادوات والخضر والفواكه وكل ما يحتاجه ويسال عنه الزبون.

وهكذا أصبح إبراهيم او محمد او حماد او عبد الله   “مول الحانوت “ ملاذا لثقة عائلات الحي يشاركها السراء والضراء تستأمنه امانتها وابنائها … وفي خضم هذا الجهاد الاكبر برز جيل ثان من “موالين الحوانت ” استقدموا زيجاتهم من بلداتهم وسكنوا في الاحياء الشعبية بالقرب من متاجرهم   وانجبوا جيلا من المهندسين والاطباء والمحاميين وغيرهم.

ومع بداية السبعينيات والثمانينيات  برزت في المجتمع المغربي  موجة كاسحة وغير بريئة من التنكيت  والسخرية من  “مول الحانوت ” ، واستعملت السخرية كأسلوب لتدمير اختلافه الثقافي و نجاحه الاقتصادي،  فتفوقه  في دمج ” تدبير النذرة ” ،باعتبارها خصيصة مناعية  اكتسبها في بئته الاصلية ومناطق  نشأته بالقرى الهامشية بسوس ، في ممارساته اليومية و في انشطة اقتصادية معولمة قائمة على الافراط في الاستهلاك ، قد اثارت نوعا من الاستهجان المسعور الذي يستبطن رفضا طبقيا لا شعوريا لارتقاء ” مول الحانوت  ” الاجتماعي ومناوشة بلاغية رافضة لاختلافه الثقافي واللغوي.

وفي بداية القرن الواحد والعشرين تعرض لاكتساح من نوع جديد لم يكن مهيأ  لمجابته وهو دخول الرأسمال الكبير غمار التغذية العامة وانتشار المراكز التجارية الكبرى ومحلات التسوق الفرنسية والتركية والوطنية انتشار الفطر في الخريف، حيث تناسلت هذه المراكز بشكل سريع في أحياء مدينة الدار البيضاء، وفي عموم المملكة في ما بعد ، مستفيدة من صعود قيم جديدة افرزتها جملة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي ارتبطت أساسا بصعود الاجتماعي للطبقات الوسطى و للكومبرادو .

لقد تراجع عدد محلات البقالة في مدينة الدار البيضاء بنسبة 20 في المائة خلال السنوات العشر الأخيرة، بسبب تأثرها باتساع انتشار هده  الفضاءات، و تراجعت المعاملات السنوية لمحلات البقالة الصغيرة ،في العاصمة الاقتصادية، لوحدها بنسبة 40 في المائة منذ سنة 2010 (1) ،   فغرق  قطاع  التجارة الصغرى في الفوضى واللا تنظيم، وزاد القطاع الغير المهيكل الامر سوء ،وساءت احوال ” مول الحانوت ” وتدهورت وضعيته في ظل غياب قانون اطار منظم للمهنة ،ومعه غياب تغطية صحية و اجتماعية تؤمن له  معاشاً لائقا و تقاعداً منصفا في ارذل العمر.

وفي بداية  2019  جاءت بعض الإجراءات الضريبية  كإقرار الفاتورة الإلكترونية على المعاملات ،  لتزيد الطين بلة  ولتفاقم  قلق ومعاناة ،  ” مول الحانوت ”  وهو ما جعله  يتحرك لدق  ناقوس الخطر ، بخوض اضرابات واحتجاجات على الصعيد الوطني سرعان ما تهافتت الاحزاب لاحتوائها لتتراجع الحكومة بعد ذلك ، ولتعيد  للذاكرة الجماعية ل “مول الحانوت “  الاحداث  الاليمة للإضراب العام الدي شارك فيه التجار الصغار في عموم المملكة يونيو1981  واعتقل خلالها ، وحوكم على اثرها  بثلاثة سنوات سجنا نافدة ، الشهيد  المرحوم مولاي عبدالله مستغفر رئيس النقابة الوطنية للتجار والمهنيين ، المقاوم الدي جمع بين مقاومة الاستعمار والنضال الجمعوي  والنقابي والسياسي .   

! عام كورونا عام رد الاعتبار ل”مول الحانوت “

   شاءت الاقدار في هذا الظرف العصيب الذي يعرفه العالم اليوم  على اثر جائحة كورونا  ، ان نرى طوابير الاوربيين والامريكيين يتزاحمون للحصول على مواد التغذية وعلى المنظفات وورق الحمام ، وشاءت  الاقدار أن نتذكر و يتذكر المجتمع المغربي  دولة وحكومة وشعبا “مول الحانوت ” وان يبرز مجددا الى العيان  دور هدا الكائن المسمى   “مول الحانوت ” او ما بقي منه ليجد  نفسه  راسا في مواجهة الوباء وجنبا الى جنب مع القطاعات الاستراتيجية للدولة التي تصرف عليها الملايير  كالأمن والصحة والتعليم  ملبيا نداء الوطن و مضطلعا  بدوره المجتمعي والاقتصادي.

 وقد استعانت الدولة بشبكة “مول الحانوت ” الممتدة جدورها في عمق التاريخ ، والتي تغطي عموم التراب الوطني ،مدنه وقراه في مسعاها لتوفير الاكتفاء الغذائي لعموم الشعب، فكانت بالفعل مراكز لتقديم خدمات القرب لفئات عريضة من المجتمع  و استعملت كألية لتتبيث الامن الغذائي ،و كجسر وقائي لمحاصرة الوباء عبر توزيع  الكمامات.

 ومن هنا نقول للجنة النموذج التنموي ولكل العاكفين على رسم وجه المغرب الجديد مغرب  ما بعد الجائحة  ان “مول الحانوت ” عصي عن النسيان والاحتواء، واقعي و مؤمن حتى النخاع بمقولة  ” فكاس افكاك ايغاك انا ار صباح اشاك “.

 

بقلم:النقراوي مولاي المصطفى

 تيزنيت السبت 18ابريل من عام كورونا  2020

   (1)تصريح علي بوتاكة عضو  المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين بالدار البيضاء لجريدة هسبريس